السيد الطباطبائي
316
الإنسان والعقيدة
وعلى كلّ شيء ؛ إذ أنّ من الضروري أن تكون دلالة الدليل ، وتأدية المعرفة مستندة إليه تعالى ، وإلّا لكان الدليل في خصوص دلالته ، والمعرفة في خصوص تأديتها مستقلّين عنه تعالى - تعالى اللّه عمّا يقوله الجاهلون - وهذا هو الذي يشير إليه عليه السّلام بقوله : « الدالّ بالدليل عليه » . ومنها : أنّ الواجب « تعالى » لا تنال ذاته المقدّسة بالمعرفة ، وإنّما الذي تناله المعرفة شيء من صفاته ، وقد تقدّمت الإشارة منه عليه السّلام إلى ذلك بقوله : « دليله آياته » ، وقوله : « ليس بإله من عرف بنفسه » . ومنها : أنّ الواجب « تعالى » مستغن عن الإثبات ، بل يمتنع ذلك فيه ؛ إذ أنّه تعالى له الوجود الحقّ الذي لا يحدّه شيء ، ومن كان هذا شأنه يمتنع أن تناله الأذهان ، ويحيط به العقل ، فيكون وجوده الخارجي وإثباته شيئا واحدا ، ويتّحد فيه الثبوت والإثبات ، فهو متعال عن العلم والجهل الذهنيّين ، فأمّا أن يكون معلوما بالذات لا يجهل بحال ، ولا يغيب عن شيء ولا يفقده شيء . . وأمّا أن يكون مجهول الذات ، جهلا تامّا لكنّه تعالى ، لا يغيب عن شيء ، ولا يفقده شيء ، فهو معلوم غير مجهول . . وقد بيّن عليه السّلام هذه الحقيقة في كلام آخر له ، فقال : « المعروف بغير كيفيّة ، ولا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ، ولا تقدّره العقول ، ولا تقع عليه الأوهام ، فكلّ ما قدّره عقل ، أو عرّف له مثل ، فهو محدود » « 1 » . وممّا ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله في هذا المعنى قوله : « التوحيد ظاهره في باطنه ، وباطنه في ظاهره ، ظاهره موصوف لا يرى ، وباطنه موجود لا يخفى ، يطلب بكلّ مكان ، ولا يخلو منه
--> ( 1 ) توحيد الصدوق : 76 ، باب التوحيد ونفي التشبيه ، الحديث 34 .